ســــــومريات لربيع التسامح والتآخبي


الثقافة العراقية بين الأمس والغد: مسيرة التعددية وغنى التنوع واحترام الآخر؟

كانون الأول 10th, 2008 كتبها SOMERIAN SLATES نشر في , ثقافة

الثقافة العراقية بين الأمس والغد: مسيرة التعددية وغنى التنوع واحترام الآخر؟

الأستاذ الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

رئيس جامعة ابن رشد في هولندا

tayseer54@hotmail.com

 

 

يعرّفون الثقافة بمجموع الأعراف والتقاليد والقيم السلوكية الأخلاقية والمعارف والخبرات ومحددات السير بمنطق عقلي مؤنسن… وتمتزج كل هذه المكونات التي تشكل تعريف الثقافة لِتـُوجـِد نهرا قد يجري طويلا وبامتداد تاريخي عريق بالقدر الذي يعكس حجمه جغرافيا أقصد في مدى منتجه المحسوس إنسانيا حيث جغرافيا الوجود البشري المخصوص…

من هنا يمكننا وضع اتفاق تام مع تلك المقولة التي سجلت انتصار الثقافة العراقية القديمة (السومرية) على كل مَن دخل ميدانها المادي (العراق) القديم الذي أعلى وجود أول شكل للتنظيم البشري المتحضر المتمدن ممثلا بدولة المدينة وتطوراتها التالية المعروفة…

وطبعا ترتَّب على ذلك وجود المؤسسات المجتمعية للدولة حيث المعلم والقاضي والإداري وحيث ظهور المكتبة والفصل المدرسي أو المدرسة والقوانين والأنظمة الضابطة لأنشطة الناس وتفاعلاتهم.. وصب إبداعاتهم المعرفية والسلوكية الأدائية في بوتقة مجتمع سومر الإنساني معين الهوية المعرفية الثقافية المتفتحة المعطاء…

ولأن تلك الثقافة تشكلت على أسس إنسانية صحيحة ورسَّخت طابعها التوليدي التطوري بسبب من صفاء الصلة مع الجذور الأولى التي عُنِيت بالإنسان هدفا ووسيلة فقد ظلت منتصرة في أدائها جاذبة للآخر مقنعة له بالتعاطي معها إيجابيا وتبني مفرداتها وهضم آليات عملها…

ولقد جاءت نتائج هذا باندماج الداخلين على المجتمع السومري المستقل الهوية في وجوده والتفاعل معه بآلية استخدام خطابه لغة ومضمونا فبقيت السومرية لألف عام تالية لغة الحياة على الرغم من  دخول السلالات الجزرية (السامية في الهجرات الأولى) على العراق وقيام بابل الحضارة ممتاحة من عراقة سومر وشخصيتها الحضارية المميزة…

وبالتأكيد كان لهذا أهميته في توطيد الشخصية العراقية القديمة التي دامت لآلاف من السنوات والأعوام، مدنية شامخة معطاء بثقافتها بكل ما فيها من معارف وتقاليد أكـَّدت معاني المنطق العقلي المتفتح في إشادة الحضارة الإنسانية بأسسها الصائبة المتينة.. تلكم حضارتنا في بابل وأكد وآشور…

وعلى الرغم من هزيمة عسكرية أودت بتلك الحضارة الشامخة لانكسار مؤقت بوجود الاحتلال من بلاد فارس إلا أن امتدادا جزريا مُعتادا (عربي هذه المرة) لأرض الرافدين أعطى فرصة أخرى ومرة جديدة لتقول الثقافة العراقية: إنها لا تنكسر وأنها المنتصرة بمنطق ثقافتها القويم الصحيح..

فوجدنا مذاهب معرفية شتى تتحدث في الفلسفة الجديدة وفي إنشاء بيت الحكمة والجامعة المستنصرية وبقيام أشكال إبداعية في الأدب والفن ما كانت لتقبل التقليد الآلي البحت في التعاطي مع اللغة العربية وثروتها الغنية المتمكنة ولكنها التي امتاحت من الاستيلاد العراقي الوسيط بكل غناه الثقافي وتقاليده التنويرية المتفتحة بمنطقها الذي لاقى تفتحا معطاء من خطاب غني في مجالات الآداب والمعارف والقيم الإنسانية…

 

وتدور الدوائر برحلة قرون معتمة من الاحتلال الأجنبي [من فارسي وعثماني] في نهاياته لتولد الدولة العراقية الحديثة ليس من تجميع شتات ممزق بل من نسيج متعاضد متفاعل من التنوع والتعدد في الوجود الواحد للعراقيين مذ كانوا في العراقين القديم (السومري) والوسيط (العربي الإسلامي) وحتى قيام العراق الحديث المعاصر بهذه التركيبة من الأطياف القومية والدينية المتفاعلة في قيمها ومفردات ثقافتها العامة…

 

لقد أثبت العراقيون عبر عقود وجود مجتمعهم في بوتقة الدولة المعاصرة  أنهم نسيج موحَّد لا يقبل التقسيم وأنهم نسيج متعدد غني بتنوعه لا يقبل إلغاء طيف فيه أو محوه من مشهده بل ليس العراق بهويته الحقة إلا خلاصة هذه المكونات ونتاجاتها بقواسمها المشتركة وتحديدا ثقافته الوطنية الواحدة…

ويمكننا الإشارة إلى كل تلك الدراسات المنصفة التي تتحدث عن الشخصية العراقية بما فيها من منطق عقلي متفتح متنور محب للمعرفة حتى أننا لا نجد عائلة ولو كانت في مجاهل القرى والأرياف إلا وتبعث بناتها وأبنائها إلى مدارس التعليم والتفقه وكسب العلوم وهو وعي ثقافي متقدم…

ومن الطبيعي لمجتمع محب للعلم ونوره ألا يكتفي بإرسال أبنائه للدرس والتحصيل العلمي بل من هويته أنه منتج الشعر والأدب والفن، ومع كل هذه كانت قيم تقديس المعرفة وصلت لحظر اجتماعي على أيّ مساس بنزاهة التعليم ومكانة المعلم وحكمت على الخارجين على هذا بأقصى العقوبات الاجتماعية والقانونية…

وعلى الرغم من القمع والتجهيل في مرحلة بعينها فقد ساد لتلك المرحلة الانتاج الفطري الشعبي سواء منه اللهجي الشفاهي غير المدون أو التشكيلي الفطري غير الأكاديمي الموثق… وسادت قيم إيجابية عليا للتحضر والتمدن كالتسامح وثقافة ال

المزيد


حركة الثقافة العراقية وبعض مجريات أوضاع المثقفين؟

شباط 17th, 2008 كتبها SOMERIAN SLATES نشر في , ثقافة

حركة الثقافة العراقية وبعض مجريات أوضاع المثقفين؟

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي

أكاديمي ومحلّل سياسي \ ناشط في حقوق الإنسان

           30\01\2008

tayseer54@hotmail.com

 

 

عُرِف العراق بأنه موئل الكتاب وسوقه، إذ أنَّ العراقي شغوف بالقراءة حتى لم تكفِهِ مطابعه وإنتاجها، وهو أساسا لا يكتفي بمنتجه المعرفي على الرغم من تنوعه بل اتجه دائما لقراءة النتاج الثقافي الإنساني ما جعل المكتبة العراقية غنية دائما ممتلئة الرفوف بأنواع الكتب الصادرة في محيطه الإقليمي القريب والدولي البعيد…

وليس غريبا على العراقي بأطيافه ولغاته القومية المتعددة مثل هذا الأمر فهو سليل أجيال أسَّست أول مدرسة وكتبت أول حرف وبَنَت أول مكتبة وكانت عاصمة عالمية للمعرفة حيث زمن دار الحكمة والجامعة المستنصرية..

ولقد اعتنى العراقيون بسوق الكتب وبمكتباتهم العامة والخاصة والشخصية.. لكنَّ ذلك لم يكن إلا مفردة بين مفردات حركة الثقافة لديهم.. إذ أنَّ أسس حركة الثقافة موجودة في عناية الأسرة العراقية بإرسال أبنائها وبناتها إلى المدرسة وهي الأسرة التي توفر من قوتها البسيط بنزره اليسير نسبة مميزة لشراء الكتاب.. وهي الأسرة ذاتها التي تنقل جينات الموروث الثقافي الثرّ للأجيال الجديدة…

وكان لهذا الاتساع والاهتمام الشعبي الكبير بالثقافة نتائجه في تصدّر عمالقة المعرفة العلمية والأدبية ونتاج الثقافة إقليميا وإنسانيا.. فمن منّا لا يعرف عبدالجبار عبدالله العراقي بنتاجه العلمي وهو الصابئي المندائي المتنور الذي ظل يحتفي بعراقيته وسمو روحه الوطني هلى كل السمات الأخرى لمفردات هويته؛  ومن منّا لا يعرف عبدالله كوران العراقي بنتاجه الشعري الكوردي الخالد أو محمد مهدي الجواهري العراقي بنتاجه الشعري العربي الغزير الخالد.. وكلاهما يرفعان رايات العراق واسمه عاليا…

والثقافة ممثلة بنتاج أدبي أو معرفي أو بموروث القيم والتقاليد البناءة بهويتها الشعبية تظل سمة لأنسنة أنشطة البشرية ورقيِّها وسموها بمنطقها العقلي التنويري ومُثُله الجمعية المشتركة التي تُعلي من الوجود الاجتماعي للإنسان من دون أنْ تُهمل أو تغفل وجوده الفردي المبدع والمندمج بالجماعة البشرية…

إذن، لقد احتفى العراقيون بالثقافة إكراما لمنطقها التنويري وإعلائها للعقل وإنتاجه وأثره في توجيه السلوك الاجتماعي بأوسع قيمه.. وبات المجتمع العراقي يُكرم مثقفيه وينزلهم المنزلة العليا منتظرا دوما أنْ يعود ذلك عليه بالصحة وبمعالجة معضلاته ورسم الخطوط الاستراتيجية الكبرى لمسيرته وهويته…

ولم يكن لوجاهة في المجتمع العراقي أنْ تتقدم على وجاهة الحكيم فيهم أي المثقف صاحب رجاحة العقل وسعة المعرفة ورحابة الصدر وعظيم الخبرة… وذلكم يؤكد أهمية الردّ من جانب المثقف كما هي التقاليد الثقافية الرصينة لتاريخ الثقافة العراقية بعطاء جدي حقيقي ينطبع بلسما في كل مفاصل يوميات العراقي…

وبعد هذه الكلمات العجلى لابد من توكيد تلك المقولة التاريخية التي رأت في ديمومة انتصار الثقافة العراقية أيام سومر وآلاف سنين الشدائد التي كان العراق فيها ينكسر عسكريا ولكنه يغلب ثقافيا وينتصر لوجوده وهويته معاودا باستمرار مواصلة مسيرته بفضل تلك الخلفية أو ذياك الأساس الثقافي المتين…

فهل سينطبق هذا التاريخ وعراقته على حاضرنا ومستقبلنا؟ وهل حركة الثقافة العراقية ما زالت بخير وقادرة على مواصلة مسيرتها المخصوصة؟ وما إشكالاتها القائمة اليوم؟

ينبغي قبيل الإجابة عن مثل هذه الأسئلة أنْ نشير إلى أنَّ الثقافة الإنسانية في ظل مراحل نشأة المجتمع البشري انطبعت بالتنوع بحسب إمكانات الاتصال وطبيعة ذاك التفاعل والمتاح له بطريقة مباشرة وغير مباشرة.. فيما هي اليوم تمتاح من حالة التداخل والتقارب والاتصال المباشر بما يكفي للحديث عن الوحدة الإنسانية الكونية التامة في التنوع والاستقلال لكل هوية تمتلك فرصها للعطاء ذاتيا وموضوعيا…

ونحن نقرأ أوضاع المثقف العراقي، أسّ الثقافة العراقية، وهو في شتات المنافي يساهم بدوره المميز على أساس ما امتلكه من خلفية متينة وقادرة على العطاء والتأثير وهو كذلك نسبيا في الإطار المكاني العراقي بسبب من محاصرته بأدوات معاداة الثقافة وآليات اشتغالها…

إنَّ حركة الثقافة عامة والعراقية خاصة ليست منجزا شعريا على أهمية هذه المفردة وهي ليست منجزا معرفيا في ميدان تخصصي بعينه وهي ليست مفردات لعلم نفس أو اجتماع أو لعلم أدبي أو لظواهر سلوكية وأدائية اجتماعية بعينها بل هي كل ذلك مجتمعا…  

وعليه فما دام العراق

المزيد