الثقافة العراقية بين الأمس والغد: مسيرة التعددية وغنى التنوع واحترام الآخر؟
الأستاذ الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي
رئيس جامعة ابن رشد في هولندا
يعرّفون الثقافة بمجموع الأعراف والتقاليد والقيم السلوكية الأخلاقية والمعارف والخبرات ومحددات السير بمنطق عقلي مؤنسن… وتمتزج كل هذه المكونات التي تشكل تعريف الثقافة لِتـُوجـِد نهرا قد يجري طويلا وبامتداد تاريخي عريق بالقدر الذي يعكس حجمه جغرافيا أقصد في مدى منتجه المحسوس إنسانيا حيث جغرافيا الوجود البشري المخصوص…
من هنا يمكننا وضع اتفاق تام مع تلك المقولة التي سجلت انتصار الثقافة العراقية القديمة (السومرية) على كل مَن دخل ميدانها المادي (العراق) القديم الذي أعلى وجود أول شكل للتنظيم البشري المتحضر المتمدن ممثلا بدولة المدينة وتطوراتها التالية المعروفة…
وطبعا ترتَّب على ذلك وجود المؤسسات المجتمعية للدولة حيث المعلم والقاضي والإداري وحيث ظهور المكتبة والفصل المدرسي أو المدرسة والقوانين والأنظمة الضابطة لأنشطة الناس وتفاعلاتهم.. وصب إبداعاتهم المعرفية والسلوكية الأدائية في بوتقة مجتمع سومر الإنساني معين الهوية المعرفية الثقافية المتفتحة المعطاء…
ولأن تلك الثقافة تشكلت على أسس إنسانية صحيحة ورسَّخت طابعها التوليدي التطوري بسبب من صفاء الصلة مع الجذور الأولى التي عُنِيت بالإنسان هدفا ووسيلة فقد ظلت منتصرة في أدائها جاذبة للآخر مقنعة له بالتعاطي معها إيجابيا وتبني مفرداتها وهضم آليات عملها…
ولقد جاءت نتائج هذا باندماج الداخلين على المجتمع السومري المستقل الهوية في وجوده والتفاعل معه بآلية استخدام خطابه لغة ومضمونا فبقيت السومرية لألف عام تالية لغة الحياة على الرغم من دخول السلالات الجزرية (السامية في الهجرات الأولى) على العراق وقيام بابل الحضارة ممتاحة من عراقة سومر وشخصيتها الحضارية المميزة…
وبالتأكيد كان لهذا أهميته في توطيد الشخصية العراقية القديمة التي دامت لآلاف من السنوات والأعوام، مدنية شامخة معطاء بثقافتها بكل ما فيها من معارف وتقاليد أكـَّدت معاني المنطق العقلي المتفتح في إشادة الحضارة الإنسانية بأسسها الصائبة المتينة.. تلكم حضارتنا في بابل وأكد وآشور…
وعلى الرغم من هزيمة عسكرية أودت بتلك الحضارة الشامخة لانكسار مؤقت بوجود الاحتلال من بلاد فارس إلا أن امتدادا جزريا مُعتادا (عربي هذه المرة) لأرض الرافدين أعطى فرصة أخرى ومرة جديدة لتقول الثقافة العراقية: إنها لا تنكسر وأنها المنتصرة بمنطق ثقافتها القويم الصحيح..
فوجدنا مذاهب معرفية شتى تتحدث في الفلسفة الجديدة وفي إنشاء بيت الحكمة والجامعة المستنصرية وبقيام أشكال إبداعية في الأدب والفن ما كانت لتقبل التقليد الآلي البحت في التعاطي مع اللغة العربية وثروتها الغنية المتمكنة ولكنها التي امتاحت من الاستيلاد العراقي الوسيط بكل غناه الثقافي وتقاليده التنويرية المتفتحة بمنطقها الذي لاقى تفتحا معطاء من خطاب غني في مجالات الآداب والمعارف والقيم الإنسانية…
وتدور الدوائر برحلة قرون معتمة من الاحتلال الأجنبي [من فارسي وعثماني] في نهاياته لتولد الدولة العراقية الحديثة ليس من تجميع شتات ممزق بل من نسيج متعاضد متفاعل من التنوع والتعدد في الوجود الواحد للعراقيين مذ كانوا في العراقين القديم (السومري) والوسيط (العربي الإسلامي) وحتى قيام العراق الحديث المعاصر بهذه التركيبة من الأطياف القومية والدينية المتفاعلة في قيمها ومفردات ثقافتها العامة…
لقد أثبت العراقيون عبر عقود وجود مجتمعهم في بوتقة الدولة المعاصرة أنهم نسيج موحَّد لا يقبل التقسيم وأنهم نسيج متعدد غني بتنوعه لا يقبل إلغاء طيف فيه أو محوه من مشهده بل ليس العراق بهويته الحقة إلا خلاصة هذه المكونات ونتاجاتها بقواسمها المشتركة وتحديدا ثقافته الوطنية الواحدة…
ويمكننا الإشارة إلى كل تلك الدراسات المنصفة التي تتحدث عن الشخصية العراقية بما فيها من منطق عقلي متفتح متنور محب للمعرفة حتى أننا لا نجد عائلة ولو كانت في مجاهل القرى والأرياف إلا وتبعث بناتها وأبنائها إلى مدارس التعليم والتفقه وكسب العلوم وهو وعي ثقافي متقدم…
ومن الطبيعي لمجتمع محب للعلم ونوره ألا يكتفي بإرسال أبنائه للدرس والتحصيل العلمي بل من هويته أنه منتج الشعر والأدب والفن، ومع كل هذه كانت قيم تقديس المعرفة وصلت لحظر اجتماعي على أيّ مساس بنزاهة التعليم ومكانة المعلم وحكمت على الخارجين على هذا بأقصى العقوبات الاجتماعية والقانونية…
وعلى الرغم من القمع والتجهيل في مرحلة بعينها فقد ساد لتلك المرحلة الانتاج الفطري الشعبي سواء منه اللهجي الشفاهي غير المدون أو التشكيلي الفطري غير الأكاديمي الموثق… وسادت قيم إيجابية عليا للتحضر والتمدن كالتسامح وثقافة ال













